فخر الدين الرازي

89

تفسير الرازي

وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة ، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب . منها عذاب الحسرة والندامة : وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء ، ومنها عذاب الخجلة : وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة ، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية ، وهو المراد من قوله : * ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) * ورابعها : أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات ، وحصل عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات ، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فههنا يحف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن . أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع ، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جداً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( لقد تقطع بينكم ) * والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى . وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال هؤلاء الضالين . * ( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة ، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل ، عاد ههنا إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع ، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية ، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله . وفي قوله : * ( فالق الحب والنوى ) * قولان : القول الأول : وهو مروي عن ابن عباس وقول الضحاك ومقاتل : * ( فالق الحب والنوى ) * أي خالق الحب والنوى . قال الواحدي : ذهبوا بفالق مذهب فاطر ، وأقول : الفطر هو الشق ،